السؤال:
يقول سائل : هناك كاتب معاصر يرد على الشيخ الألباني في سلسلة كتيبات ، وتكلم في الكتيب رقم (6) ، والذي هو بعنوان : الحجة المنيعة في تضعيف ما صححه الألباني وانفرد به ابن لهيعة ، ونفى تمامًا أن كتب الشيخ ابن لهيعة احترقت في مصر ، وعلل بأن الاحتراق لم يحرق أصول كتبه ، وإنما حرق كتبًا فرعية لا تمت إلى ما حدث به في مصر بصلة ..
تصنيفات الفتوى:
الحديث وعلومه
تاريخ النشر: 2015-05-23
عدد الزيارات: 4563
الجواب:
اختلف العلماء: هل حرقت كتب الشيخ ابن لهيعة أم لا؟.. والذي وقفت أنا عليه في مسألة عدم احتراق كتبه أن ابن معين نقل هذا عن أهل مصر ، وقال : إن أهل مصر يقولون لم تحترق كتبه .
ولا يخفاكم أن مثل هذا الإسناد لا يقبل... من أهل مصر الذين حدثوا يحيى بن معين؟ نحن لا نعرفهم ، لذلك نرجع إلى جزم العلماء المحققين، فقد جزم كثير من أهل العلم بأن كتب ابن لهيعة قد احترقت، وحتى لو قلنا أن كتبه جميعًا لم تحترق وبقي بعضها ، فقد كان ابن لهيعة واسع الحديث جدًا ، وقد قلت في مقدمة الكلام أنه لم يكن متماسك الحفظ قديمًا، يعني قد كان حفظه بنسبة سبعين بالمائة ، وكان مخلطًا في ثلاثين بالمائة ، أو خمسة وثلاثين، أو أربعين ، يعني نسبة قد تقل أو تكثر .
فمع اتساع حديثه جدًا واحتراق نصف كتبه على الأقل ، لا شك أنه ستقع أوهام من ابن لهيعة في ذلك ، ولكن العلماء الذين أتوا بعد ذلك تكلموا في من روى عن ابن لهيعة قبل سنة مائة وسبعين ومن روى عن ابن لهيعة بعد سنة مائة وسبعين ، فممن يصحح الحافظ ابن عبد الغني المقدسي صاحب كتاب « الكمال في أسماء الرجال » ، يقول : إن رواية العبادلة الثلاثة ، أما الرابع فقد زدته من كتب الرجال،العبادلة الثلاثة ، الذين هم : (عبد الله بن يزيد المقري ، وعبد الله بن المبارك ، وعبد الله بن وهب )، هؤلاء هم الثلاثة الذين عناهم الحافظ عبد الغني المقدسي ، أما الرابع ، الذي هو( عبد الله بن مسلمة القعنبي)، أنا الذي زدته من كتب الرجال.
قال : العبادلة الثلاثة عندما يروون عن ابن لهيعة فحديثه صحيح ، فجرى على ذلك طائفة من المتأخرين ، والذهبي يرى أن حديثه حسن ، وجرى على ذلك أيضًا طائفة من المتأخرين .
فنحن كما نقول دائمًا عندما يأتينا حديث راوٍ سيء الحفظ ، لا تذهب وتنظر في « التقريب » وتقول أن هذا الراوي صدوق يهم فيكون حديثه حسن .. لا... بل ننظر من الذي تابعه ومن الذي خالفه ، وهل تفرد أم لا.؟.
وقد قمت بعمل عينة على حديث ابن لهيعة خصوصًا ، كان لي كتاب كنت بدأت تصنيفه من زمان من أول عهدي بالطلب ، ولكني ما أتتمته طمعًا في أن أوسع فيه حتى أصل إلى درجة الاستقراء فاتسعت المسألة عليَّ فتوقفت، كتاب كنت أسميته: (كشف الوجيعة في بيان حال ابن لهيعة)، فما الذي عملته فيه.. جمعت كل حديث ابن لهيعة الذي قابلني في كل الكتب المسندة ، ثم رتبها على مسانيد الصحابة ، يعني ما رواه ابن لهيعة بسنده إلى أبي بكر ... إلى تمام العشرة ، ثم إلى بقية الصحابة ، فيكون مسند أبي بكر ، مسند عمر ، مسند علي بن أبي طالب، مسند عثمان .. إلى آخره.
وبدأت أخرج الحديث وأنظر في طرقه ، من الذي وافق ابن لهيعة على الإسناد والمتن في هذا الحديث ، وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا، أنك تبحث في كل الكتب المسندة عندك عمن وافق ابن لهيعة في هذا ، فإذا رأيت مثلاً الثقات وافقوا ابن لهيعة على هذا الإسناد والمتن، أعرف أن ابن لهيعة حفظ هذا الحديث ، فما الذي أعلمني أنه قد حفظ.؟. موافقة الثقات له...
وإذا حققت الحديث فوجدت أن الثقات قد خالفوا ابن لهيعة فيه ، لا أتردد في توهيم ابن لهيعة ، وأنه غلط في هذه المسألة بدليل أن الذي أتقن منه وأفضل قد رواه على غير روايته .
أما القسم الذي تفرد به ابن لهيعة لا سيما عن شيخ مشهور ، فحكمت على هذا القسم كله بالضعف، فأنت إذا قمت بعمل محاكمة بهذه الطريقة ستصل إلى أن أكثر من نصف حديث ابن لهيعة ضائع، فيتبقى لك النصف الآخر؛ لذلك أنا لا أوافق هذا الكاتب على أن يقول مثل هذا الكلام إلا إذا قام بهذا الجهد الخاص على كل حديث ، ويكون متبحرًا ، وعنده من كتب الأسانيد الشيء الكثير ؛ لأنه لا يصح أن يكون لديه الكتب الستة فقط مثلاً وأربعة أو خمسة أجزاء حديثية –فهو فقير – ثم تجده يقول : لم أعثر على متابع لابن لهيعة – وكم كتاب لديك.. ليس خمسة عشر كتابًا أو عشرين أو مائة كتاب ، وهل كتب الأسانيد بالمئات.. إنما هي بالألوف المؤلفة..
فحتى يجود تحقيقك فلا بد أن تحصل كتب الأسانيد بقدر ما يسعك، فإنني منذ خمس عشرة سنة بدا لي أن أفهرس لنفسي خمسمائة كتاب، ليس لهم فهارس ، وكان عندي نشاط أيام الطلب في أيام شبابي . . فلا أضع كتابًا على رف المكتبة إلا بعد فهرسته ،فإذا فهرسته وضعته على الرف ، وكنت إذ ذاك فقيرًا ، وكانت همتي حاضرة مساعدة لي ، فوقتها كنت تشتري كتابًا وتظل شهرًا تعاني من الفقر والإملاق ، ومدة شهر على كتاب صغير تنتهي من فهرسته في يومين وتجلس ملكًا ، لما فتح الله عز وجل وتشتري عشرة كتب مرة واحدة ، فأنت لا تلاحق ، تفهرس ليلاً ونهارًا ، فبدا لي في فترة من الفترات أن أفهرس خمسمائة كتاب ، وبدأت بفهرست الحروف الكبيرة ، حرف الألف والميم ، فقابل حرف الألف ألفي صفحة وحرف الميم قابل ألف وقريب من ثلاثمائة صفحة ، بعد أن أتممت فهرست هؤلاء الخمسمائة كتاب غير الفهارس الكثيرة التي كانت عندي ، وبدأت أنظر في الأحاديث التي خرجتها وجدت أنني قد فاتني طرق كثيرة جدًا ، فتوقفت عن التحقيق والعمل ، وبدا لي أن أشتغل في فهرسة الكتب .
لماذا.. لأنني وجدت أسانيد كثيرة غائبة عني قد أثرت على حكمي على الحديث ، فقد كنت أقول فلانًا مدلسًا ، فوجدته في كتاب من الكتب قد صرح بالتحديث . . . إذن فالعلة التي أعللت الحديث لأجلها قد طارت... قلت فلانًا ضعيف ، ثم وقفت له على متابعين ، إذن العلة ذهبت... وهكذا علل مثل هذه ، فتعثر على أسانيد ترفع العلة ، فتهيبت أن أتكلم في التصحيح والتضعيف ، وهذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فعندما تهجم على كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأنت ليس لديك العدة الكاملة فتكون جناية على نفسك أولاً ، فإنك إذا سئلت لماذا أعللت هذا.. فإنه لن ينفع أن تقول لم يكن عندي غير عشرة أو خمسة عشر كتابًا . . .
فعندما نريد أن نتعقب أي إنسانًا كائنًا من كان ، ليس الشيخ الألباني -عليه رحمة الله تعالى وحده- أي عالم من العلماء ، قال أن هذا تفرد ، أو أن هذا ضعيف . . إلخ ، فيجب أن تبذل جهدًا كبيرًا وتكون من أهل التحقيق والفهم الواسع ولديك كتبًا ليس لها آخر ، ويغلب على ظنك أن قد استوفيت الطرق ، بعد ذلك تخرج بحثك وتقول هذا أخطأ أو لم يخطئ .
إنما مجرد أن يتعقب واحد الشيخ الألباني فلا بأس بهذا ، فالشيخ الألباني رحمة الله عليه كان يرحب بهذا ، وهو الذي علمنا أن لا نسلم عقلنا لأحد ، اشتغل وابحث ، وهو الذي جدد هذا الفهم عند كل طبقتنا في هذا العصر ، وكان إذا انتقده منتقد ووجده على صواب كان يذعن له ، وكان يسجل أنه أصاب في هذا ويتبعه – رحمة الله عليه – .
إنما أنا أخشى أن يكون هذا المعاصر المسمى أبو عبد الرحمن إيهاب الأثري إذا كان هو صاحب هذه الكتب ، فإن الأمر في كتبه كما قال ابن معين : كتبنا عن الكذابين ثم أخرجنا به خبزًا نضيجًا .
كتبوا عن الكذابين ورقًا كثيرًا ثم أشعلوا به الفرن وخبزوا عليه ، فكانت النتيجة التي استفادوها من كل هذا الورق هو الخبز الساخن ، فهذا الغلام من أجهل وأسوأ خلقًا من رأيت ، سيء الخلق جدًا ، وهو معتزلي أيضًا ليس من أهل السنة ، فضلاً عن كونه جاهلاً بالحديث جهلاً كليًا جهلًا تفصيليًا وجهلاً مجملاً ، يعني جاهل في الجملة والتفصيل ، يعني أنك إذا رأيت شيئًا من هذه الكتب فاعلم أن صاحبه لا حظ له لا في الأدب ولا في العلم ، إنما مجرد أن يتعقب الشيخ الألباني ، فهذه المسألة لا بأس بها .